
ارتفاع درجة حرارة المحيط حاليا واحدة من أكثر الآثار المدمرة لتغير المناخ. ولا تشكل هذه الظاهرة تهديدا للحياة البحرية فحسب، بل تشكل أيضا مخاطر جدية على البشر والتنوع البيولوجي العالمي. في هذه المقالة، سنلقي نظرة متعمقة على كيفية خضوع المحيطات، التي تغطي أكثر من 70% من سطح كوكبنا، لتغييرات غير مسبوقة بسبب النشاط البشري. من ارتفاع درجات الحرارة وتحمض المياه إلى ذوبان الأنهار الجليدية وتكثيف العواصف، تشكل المحيطات قلب أزمة المناخ. لقد ترك الاحتباس الحراري علامة واضحة على الحياة البحرية والنظم البيئية والمجتمعات الساحلية التي تعتمد على المحيطات من أجل البقاء. علاوة على ذلك، فهي تعمل كواحدة من الجهات التنظيمية الرئيسية للمناخ، مما يعني أن أي خلل في توازنها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
دور المحيطات في امتصاص الحرارة
وتلعب المحيطات دورًا أساسيًا في تنظيم درجة حرارة الأرض من خلال امتصاص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الأنشطة البشرية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وقد تسببت هذه الظاهرة في ارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل مستمر لأول 1950 متر من عمق محيط الأرض.
أهمية المحيطات كمصارف حرارية لا جدال في ذلك. ويحدث هذا الاحترار بسرعة أكبر في الطبقة العليا من المحيط، حيث تعيش معظم الكائنات البحرية. من الأسماك إلى الطحالب إلى الحيتان، العديد من هذه الأنواع حساسة للغاية حتى لأدنى التغيرات في درجات الحرارة. لا تؤثر الحرارة المخزنة على درجة الحرارة فحسب، بل تولد أيضًا التمدد الحراري للمياه، وهو المسؤول عن ما بين ثلث إلى نصف ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي. علاوة على ذلك، شهد أكثر من 60% من سطح المحيط العالمي موجات حر بحرية، مما أدى إلى زيادة شدتها وتواترها. على سبيل المثال، في عام 2021، شهدت مساحات شاسعة من المحيط موجات حر أثرت بشكل مباشر على الحياة البحرية.
الارتفاع الخطير للتحمض
أحد أهم تأثيرات ارتفاع حرارة المحيطات هو تحمض. ما هو سبب ذلك؟ عندما تمتص المحيطات ثاني أكسيد الكربون (CO2) المنطلق في الغلاف الجوي، يتفاعل هذا الغاز مع الماء لتكوين حمض الكربونيك. ويؤدي هذا إلى تقليل درجة حموضة الماء، مما يؤثر بشكل مباشر على الحياة البحرية. إن الأنواع التي تعتمد على كربونات الكالسيوم لتشكيل أصدافها وهياكلها العظمية، مثل المرجان والرخويات، هي الأكثر تضرراً. 30% من ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث من البشر يتم امتصاصه بواسطة المحيطات. ولسوء الحظ، فإن هذه الظاهرة تجعل المحيطات أكثر حمضية بشكل متزايد، مما يتسبب في تبييض المرجان. الشعاب المرجانية، التي تغطي 1% فقط من مساحة المحيط، هي موطن لحوالي 25% من التنوع البيولوجي البحري. وتمنع الحموضة الشعاب المرجانية من تكوين هياكلها العظمية من كربونات الكالسيوم، مما يقلل التنوع البيولوجي البحري ويؤثر بشكل خطير على سلاسل الغذاء التي تعتمد عليها العديد من الأنواع.
التأثير على تيارات المحيطات وذوبان الأنهار الجليدية
إن ارتفاع درجة حرارة المحيطات له تأثير مدمر على التيارات المحيطية. وتعتبر هذه التيارات حيوية لتنظيم المناخ العالمي، لأنها تنقل الحرارة والمواد المغذية والكائنات البحرية حول الكوكب. ومع ذلك، فإن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى خلل في هذه الأنماط. على سبيل المثال، يؤدي ذوبان القطبين إلى إبطاء بعض التيارات الرئيسية مثل تيار الخليج، وهو أمر ضروري للحفاظ على استقرار درجات الحرارة في أوروبا. مع ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي، يذوب الجليد البحري بمعدل ينذر بالخطر، مما يؤدي إلى إطلاق غاز الميثان، وهو غاز دفيئة أقوى حتى من ثاني أكسيد الكربون. ارتفع مستوى سطح البحر بحوالي 20 سنتيمترا منذ القرن التاسع عشر، ووفقا لتقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن هذه الظاهرة قد تستمر في التسارع. إذا استمرت الأنهار الجليدية في الذوبان بالمعدل الحالي، فإن العديد من المناطق الساحلية في العالم ستكون في خطر تختفي تحت الماء في العقود القادمة. وستؤثر هذه الظاهرة بشدة على التجمعات البشرية التي تعيش بالقرب من السواحل، وخاصة في الدول الجزرية الصغيرة، مثل تلك الموجودة في المحيط الهادئ، حيث بدأت بالفعل في التحرك بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. ال الدببة القطبية وهي من الأنواع الأخرى التي تأثرت بذوبان الجليد في القطب الشمالي. يعتمدون على الجليد البحري في الصيد والتكاثر والتحرك في بيئتهم. ومع ذوبان الجليد، تتضاءل فرص العثور على الغذاء، مما يزيد من خطر انقراض هذه الأنواع الشهيرة.
العواصف وارتفاع درجة حرارة المحيطات
أحد التأثيرات المرئية لارتفاع درجة حرارة المحيطات هو تكثيف العواصف. من الأعاصير القوية إلى الأعاصير والزوابع، فإن المزيد من الطاقة الحرارية في المحيطات يعني المزيد من العواصف المدمرة. منذ سبعينيات القرن العشرين، شهدنا زيادة كبيرة في وتيرة وشدة الأعاصير. تؤثر الكوارث الطبيعية اليوم على ملايين الأشخاص، مما يتسبب في الدمار على السواحل والمناطق المأهولة بالسكان. وفي مواجهة هذا التغير المناخي الجذري، فإننا نواجه أيضًا تأثيرًا اقتصاديًا هائلاً بسبب الخسائر المادية وتدمير البنية التحتية بالقرب من البحر.
ما الذي يمكن فعله للتخفيف من ارتفاع درجة حرارة المحيطات؟
على الرغم من عدم إمكانية وقف تغير المناخ بشكل كامل، فمن الممكن إبطاء تقدمه. تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إنه أحد أهم الإجراءات التي يمكننا اتخاذها. وأمام هذا الوضع، يواجه البشر تحدي تقليل اعتمادهم على الوقود الأحفوري وتطوير مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة. ومن المهم أيضًا حماية النظم البيئية البحرية التي تساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ. ال أشجار المانغروف والأعشاب البحرية والشعاب المرجانية إنها لا تعمل كحاجز طبيعي ضد العواصف فحسب، بل إنها تخزن أيضًا كميات كبيرة من الكربون. إن إعادة تشجير هذه الموائل، إلى جانب الحد من الصيد الجائر والتلوث، أمر ضروري للحفاظ على الحياة البحرية. يمكن لكل شخص المساهمة من خلال تقليل بصمته الكربونية الشخصية، واستخدام وسائل نقل أكثر استدامة، ودعم السياسات التي تعزز الحفاظ على المحيطات. وتلعب الشركات أيضًا دورًا رئيسيًا، من خلال تبني ممارسات أكثر استدامة، والحد من استخدام البلاستيك والملوثات، وتعزيز الطاقة المتجددة. يشكل ارتفاع درجة حرارة المحيطات تهديدًا خطيرًا للتنوع البيولوجي وبقاء الإنسان. ورغم أن التأثيرات أصبحت واضحة بالفعل في مختلف أنحاء الكوكب، فما زالت أمامنا فرصة سانحة للتخفيف من تأثيرها. إن الفشل في اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يؤدي إلى عواقب مدمرة، ليس فقط على الحياة البحرية، بل وأيضاً على ملايين البشر الذين تعتمد حياتهم وسبل عيشهم بشكل مباشر أو غير مباشر على المحيطات.



